جمجمة الإعلامي وأوهام الخطاب
عندما أراد الفيلسوف التجريبي الإنجليزي فرنسيس بيكون وضع منهج بحث جديد وطريقة جديدة للتفكير مبنية على أسس معرفية مخالفة لتلك الأسس التي يقوم عليها التفكير المدرسي ، حاول أولا كشف العوامل التي تقف أمام التفكير السليم .وقد أطلق بيكون على تلك العوامل " الأوهام الأربعة " وهي : أوهام الكهف ، أوهام الجنس ، أوهام السوق ، أوهام المسرح .وهذه الأوهام كما يعتقد هي الأسباب الرئيسية التي تقف وراء غموض الفكر وهشاشة المنهج ، واختفاء الحقيقة في غيابات الجدل ، ومتاهات المحاجة المدرسية البحته .ووفق المنطق نفسه – يرى تركي الحمد ، في كتابة : من هنا يبدأ التغيير - أن هناك مجموعة من الأوهام تقف في طريق العقل العربي ، ومن ثم تعطيل هذا العقل وتجعله سجين أطر معينة وأسس محددة ، وتجعله غير قادر على استجلاء الأمر من حوله ، ولا علاقة له بالمحيط من حوله .الحقيقة أن النقاش حول العقل العربي وأوهامه يستدعي مشروعا فكريا متكاملا .ولكن يمكن مناقشة الأوهام في جانب من العقلية الصحفية .طبعا التعمق في هذه المسألة يلزم وقتا وجهدا ومساحة أكبر مما هو متوقع .ولكن لنقترب من المقصود لبدء التحرك نحو الهدف ، علينا أن نستقريء بعضا من رؤية ذلك الفيلسوف ( فرنسيس بيكون) ونأخذ منها ما يحقق هدفنا .***المنهج التجريبي لدى فرانسيس بيكون: ( لو بدأ الإنسان من المؤكدات انتهى إلى الشك، ولكنه لو اكتفى بالبدء في الشك، لانتهى إلى المؤكدات)ويعتبر بيكون هو حلقة الاتصال بين القديم والحديث، وذلك لأنه يرى أن الفلسفة قد ركدت ريحها، واعتراها الخمود في حين أن الفنون الآلية كانت تنمو وتتكامل وتزداد قوة ونشاطا على مر الزمن.أدرك بيكون أن انحطاط الفلسفة يرجع إلى عدة عوامل: خلفت النهضة روحا أدبية جعلت الناس يهتمون بالأساليب والكلمات ويهملون المعاني. اختلاط الدين بالفلسفة، واعتماد الناس في أحكامهم على الأدلة النقلية وأخذهم بأقوال السالفين دو نظر في صحتها من عدمه.وقد أدرك بيكون بأن العيب الأساسي في طريقة التفكير لدى فلاسفة اليونان والعصور الوسطى إذ ساد الاعتقاد بأن العقل النظري وحده كفيل بالوصول إلى العلم، ورأى أن الداء كله يكمن في طرق الاستنتاج القديم التي لا يمكن أن تؤدي إلى حقائق جديدة، فالنتيجة متضمنة في المقدمات. فثار ضد تراث أفلاطون وأرسطو بأسره وظهر له بأن الفلسفة المدرسية شيء مليء بالثرثرة، غير واقعي وممل للغاية، كما أنها لم تؤد إلى نتائج، وليس هناك أمل في تقدم العلوم خطوة واحدة إلا باستخدام طريقة جديدة تؤدى إلى الكشف عن الجديد وتساعد على الابتكار لما فيه خير الإنسانية.وآمن بيكون إيمانا مطلقا بالعلم وبقدرته على تحسين أحوال البشر فجعل العلم أداة في يد الإنسان، تعينه على فهم الطبيعة وبالتالي السيطرة عليها. يؤمن بيكون بأنه كانت للإنسان سيادة على المخلوقات جميعا ثم أدى فساد العلم إلى فقدان هذه السيطرة ومن هنا كانت غايته مساعدة الإنسان على استعادة سيطرته على العالم.أراد بيكون أن يعلم الإنسان كيف ينظر إلى الطبيعة، فالأشياء تظهر لنا أولا في الضباب وما نسميه في أغلب الأحيان مبادئ هو مجرد مخططات عملية تحجب عنا حقيقة الأشياء وعمقها.ورأى أنه يجب أن تكون للإنسان عقلية عملية جديدة، يكون سبيلها المنهج الاستقرائي الذي يكون الهدف منه ليس الحكمة أو القضايا النظرية بل الأعمال، والاستفادة من إدراك الحقائق والنظريات بالنهوض في حياة الإنسان وهذا ما عبر عنه بقوله: "المعرفة هي القوة". ففلسفته محاولة لكشف القيم الجديدة التي تتضمن الحضارة العلمية الحديثة في أول عهودها، واستخلاص المضمونات الفكرية لعصر الكشوف العلمية والجغرافية والتعبير بصورة عقلية عن التغيير الذي تستلزمه النظرة الجديدة إلى الحياة تتجلى فكرة بيكون في مقولته بأن المعرفة ينبغى أن تثمر في أعمال وان العلم ينبغي أن يكون قابلا للتطبيق في الصناعة.كان بيكون يرى أن المعرفة تبدأ بالتجربة الحسية التي تعمل على إثرائها بالملاحظات الدقيقة والتجارب العملية، ثم يأتي دور استخراج النتائج منها بحذر وعلى مهل ولا يكفي عدد قليل من الملاحظات لإصدار الأحكام، وكذلك عدم الاكتفاء بدراسة الأمثلة المتشابهة بل تجب دراسة الشواذ من الأمور الجوهرية في الوصول إلى قانون عام موثوق به يقول بيكون: إن الاستنباط الذي يقوم على استقراء أمثلة من طراز واحد لا يعتد به وإنما هو ضرب من التخمين، وما الذي يدلنا على استقصاء البحث وعموم القانون وقد تكون هناك أمثلة لا تشترك مع البقية في الخصائص، وهذه لا بد من دراستها؟ وقد دفع به هذا الموقف إلى نقد المدرسيين والقدماء لاكتفائهم بالتأمل النظري حول الطبيعة دون أن يعنوا بملاحظة ظواهرها.كما قلت : لانستطيع أن نناقش العقل العربي وأوهامه بشكل كامل ، اذ يستدعي ذلك مشروعا فكريا متكاملا ..لكن دعونا نأخذ جزء من العقل ، ونحاول أن نفهم تلك الأوهام التي تحجب الرؤية عنه فتجعله شبيها بمريض نفسي بالفصام يعيش بنفسه ولنفسه..ولنأخذ الخطاب الإعلامي المعاصر بصفته أحد نتاجات العقل ..لماذا هذا العقل هو عاجز عن الحركة والإستجابة للمتغيرات ؟لماذا هو متقوقع يدور حول نفسه ؟هل بالإمكان إيجاد فكر جديد يستوعب الخطاب العربي الغارق في أوهامه ؟أعتقد أن الوعي بالمرض ( الأوهام) هو الخطوة الأولى على طريق الشفاء .تلك تجاربهم التي ساهم في إشعالها فرانسيس بيكون.. فكانت بداية التغيير والنهضة الأوربية .وفي بلادنا العربية .. من يجلي الوهم ؟هل نحن في المملكة قادرون على تحديد معالم الطريق الجديد ؟ كيف ؟ما أعتقده أن العقول في المملكة قادرة على رسم سياسة إعلامية وتحديد هوية جديدة تتوازى مع تطلعات القيادة هنا ومع إمكانات المملكة المتزايدة ، ومع الحضارة السعودية / العربية القادمة .لكن :علينا أن نحدد الأوهام " التي تقف وراء غموض الفكر وهشاشة المنهج ، واختفاء الحقيقة في غيابات الجدل ، ومتاهات المحاجة المدرسية البحته ".ونعالجها علاجا فعالا ..هل يعتقد أحد أنني أتحدث عن ثامن المستحيلات ؟هذا هو الوهم الخامس !

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق